الشيخ محمد رشيد رضا

3

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قالوا : إذا كنت با محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده - كما تدعى - فكيف تستحل ما كان محرما عليه وعليهم كلحم الإبل ؟ أما وقد استبحت ما كان محرما عليهم فلا ينبغي لك أن تدعى أنك مصدق لهم وموافق في الدين ، ولا أن تخص إبراهيم بالذكر وتقول : إنك أولى الناس به . هذه هي الشبهة الأولى . وأما الثانية فهي أنهم قالوا : إن اللّه وعد إبراهيم بأن تكون البركة في نسل ولده إسحاق ، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمون بيت المقدس ويصلون إليه ؛ فلو كنت على ما كانوا عليه لعظمت ما عظموا ، ولما تحولت عن بيت المقدس وعظمت مكانا آخر اتخدته مصلى وقبلة ، وهو الكعبة ، فخالفت الجميع . فقوله تعالى كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ هو جواب عن الشبهة الأولى ، قال الأستاذ الأمام : ولكن الجلال وكثيرا من المفسرين يقررون الشبهة ولا يبينون وجه دفعها بيانا مقنعا ، إذ يعترفون بأن بعض الطيبات كانت محرمة على إسرائيل . والصواب ما قصه اللّه تعالى علينا في هذه الآية وغيرها من الآيات التي توضحها ، وهي ان كل الطعام كان حلالا لبنى إسرائيل ولإبراهيم من قبل بالأولى ، ثم حرم اللّه عليهم بعض الطيبات في التوراة عقوبة لهم وتأديبا ، كما قال ( 4 : 160 فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) الآية . فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل ، كما هو مستعمل عندهم ، لا يعقوب نفسه . ومعنى تحريم الشعب ذلك على نفسه : انه ارتكب الظلم واجترح السيئات التي كانت سبب التحريم ، كما صرحت الآية . فكأنه يقول : إذا كان الأصل في الأطعمة الحل ، وكان تحريم ما حرم على إسرائيل تأديبا على جرائم أصابوها ، وكان النبي وأمته لم يجترحوا تلك السيئات ، فلم تحرم عليهم الطيبات ؟ ثم قال تعالى مبينا تقرير الدفع وسنده ( قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في قولكم ، لا تخافون أن تكذبكم نصوصها . أقول : كأنه يقول : أما إنكم لو جئتم بما عندكم منها لما كان إلا مؤيدا للقرآن فيما جاء به من أنها هي حرمت عليكم ما حرمت . وعللت جملة التكاليف بأنكم شعب غليظ الرقبة متمرد يقاوم الرب ، كما قال موسى عند أخذ العهد عليكم بحفظ الشريعةاقرأ